كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فإن قيل: ثبت أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف تسع الأرض هؤلاء؟ أجاب بعض المفسرين: بأن الملائكة تكون في الغمام والغمام يكون مقر الملائكة، ويجوز أن الله تعالى يوسع الأرض حتى تسع الجميع، وقرأ ابن كثير بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الزاي ورفع اللام، ونصب الملائكة، والباقون بنون واحدة والزاي مشددة ونصب اللام ورفع الملائكة، ثم بين تعالى أن ذلك اليوم لا يقضي فيه غيره بقوله تعالى: {الملك يومئذٍ} أي: إذ تشقق السماء بالغمام، ثم وصف الملك بقوله تعالى: {الحق} أي: الثابت ثباتًا لا يمكن زواله، ثم أخبر عنه بقوله تعالى: {للرحمن} أي: العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل وده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله تعالى: {يومئذٍ}؟
أجيب: بأن في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام {وكان} أي: ذلك اليوم الذي تظهر فيه الملائكة الذي طلب الكفار رؤيتهم له {يومًا على الكافرين عسيرًا} أي: شديد العسر والاستعار.
تنبيه:
هذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين عسيرا جاء في الحديث «أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا» وقوله تعالى: {ويوم يعض الظالم} أي: المشرك لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال، معمول لمحذوف أو معطوف على يوم تشقق، وأل في الظالم تحتمل العهد والجنس لكن قال ابن عباس: أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا ودعا إليه جهرًا جيرانه وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعامًا ودعا الناس ودعا النبي صلى الله عليه وسلم فلما قرب الطعام قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فأكل صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقًا لأبي بن خلف، فلما أتى أبيّ بن خلف قال له: يا عقبة صبأت؟ فقال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحيت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، والشهادة ليست في نفسي، فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبدًا إلا أن تأتيه وتبصق في وجهه وتطأ قفاه وتلطم وجهه وعينه، فوجده ساجدًا في دار الندوة ففعل ذلك عقبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» فقتل عقبة يوم بدر صبرًا أمر عليًا رضي الله عنه فقتله، وقيل: قتله عاصم بن ثابت بن أفلح الأنصاري، وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد طعنه في المبارزة فرجع إلى مكة ومات.
قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم عاد بصاقه في وجهه فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى مات، وقال الشعبي: كان عقبة خليل أمية، فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدًا، فكفر وارتد، فأنزل الله تعالى: {ويوم يعض الظالم} أي: عقبة {على يديه} قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق، ثم تنبت ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت، وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم يقال: عض أنامله وعض على يديه وهو لا يشعر حال كونه مع هذا الفعل {يقول} أي: يجدد في كل لحظة قوله: {يا ليتني اتخذت} أي: أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا {مع الرسول} أي: محمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ: {سبيلًا} أي: طريقًا إلى الهدى، ولما تأسف على مجانبة الرسول ندم على مصادقة غيره بقوله: {يا ويلتي} أي: يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره؛ لأنه ليس يحضرني سواه {ليتني لم أتخذ فلانًا} أي: أبيًا {خليلًا} أي: صديقًا أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها، فكنى عن اسمه وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلًا كان لخليله اسم علم عليه لا محالة فجعله كناية عنه، وقرأ أبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وأظهر الدال عند التاء ابن كثير وحفص، وأدغمها الباقون ثم استأنف قوله: الذي يتوقع كل سامع أن يقوله: {لقد} أي: والله لقد {أضلني عن الذكر} أي: عمى علي طريق القرآن الذي لا ذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما قبلها {بعد إذ جاءني} ولم يكن لي منه مانع يردني عن الإيمان به، وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال، والباقون بالإدغام وقوله تعالى: {وكان الشيطان} إشارة إلى خليله سماه شيطانًا؛ لأنه أضله كما يضل الشيطان، أو إلى كل من كان سببًا للضلال من عتاة الجن والإنس {للإنسان خذولًا} أي: شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكون لا ينصره ولو أراد ما استطاع بل هو في شر من ذلك؛ لأن عليه إثمه في نفسه، ومثل إثم من أضله.
تنبيه:
حكم هذه الآية عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثة» وقال صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقال صلى الله عليه وسلم «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»، ولما ذكر تعالى أقوال الكفار ذكر قول رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وقال الرسول يا رب} أي: أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان وعبر بأداة البعد هضمًا لنفسه، ومبالغة في التضرع {إن قومي} أي: قريشًا الذين لهم قوة ومنعة {اتخذوا هذا القرآن} أي: المقتضي للإجماع عليه والمبادرة إليه {مهجورًا} أي: متروكًا بعيدًا لم يؤمنوا به ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه.
تنبيه:
أشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجًا كثيرًا لما يرون من حسن نظمه ويذوقون من لذيذ معانيه ورائق أساليبه، ولطيف عجائبه وبديع غرائبه، وأكثر المفسرين على أن هذا القول وقع من النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو مسلم: بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد}.
الآية، والأول أولى؛ لأن قوله تعالى: {وكذلك} أي: كما جعلنا لك عدوًا من مشركي قومك {جعلنا لكل نبي} من الأنبياء قبلك رفعة لدرجاتهم {عدوًا من المجرمين} أي: من المشركين تسليةً له صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يقول له: فاصبر كما صبروا، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع القول منه {وكفى بربك} أي: المحسن إليك {هاديًا} أي: يهدي بك من قضى بسعادته {ونصيرًا} أي: ينصرك على من حكم بشقاوته.
تنبيه:
احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر؛ لأن قوله تعالى: {لكل نبي عدوًا} يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى وتلك العداوة كفر، فإن قيل: قوله تعالى: {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا} كقول نوح عليه السلام: {رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا}.
فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب، فكذلك ما هنا فكيف يليق هذا بمن وصفه الله تعالى بالرحمة في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.
أجيب: بأن نوحًا عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر هذا لم يدع عليهم، بل انتظر فلما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا} كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم فافترقا.
الشبهة الخامسة: لمنكري النبوة ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {وقال الذين كفروا} أي: الذين غطوا عداوة وحسدًا ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام الله تعالى لإعجازه لهم مفرقًا فضلًا عن كونه مجتمعًا {لولا} أي: هلا {نزل عليه القرآن} أي: أنزل كخير بمعنى أخير؛ لئلا يناقض قولهم {جملة} وأكدوا بقولهم {واحدة} أي: من أوله. إلى آخره كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود لتحقق أنه من عند الله تعالى، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه الذي يرتبه قليلًا قليلًا، وهذا الاعتراض في غاية السقوط؛ لأن الإعجاز لا يتخلف بنزوله جملة أو متفرقًا مع أن للتفريق فوائد منها:
ما أشار إليه بقوله تعالى: {كذلك} أي: أنزلناه شيئًا فشيئًا على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه {لنثبت} أي: نقوي {به فؤادك} أي: قلبك فتعيه وتحفظه؛ لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئًا فشيئًا وجزءًا عقب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لتعيا بحفظه والرسول صلى الله عليه وسلم فارقت حاله حال داود وموسى عليهم السلام وعيسى حيث كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وهم كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ، فأنزله الله عليه منجمًا في عشرين سنة، وقيل: في ثلاث وعشرين سنة، وأيضًا فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين؛ ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقًا.
فإن قيل: ذا في كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدم هو إنزاله جملة، فكيف فسر كذلك بأنزلناه مفرقًا؟
أجيب: بأن الإشارة إلى الإنزال مفرقًا لا إلى جملة، والدليل على فساد هذ الاعتراض أيضًا أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدوا بسورة واحدة من أقصر السور فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المجاذبة، ثم قالوا: هلا نزل جملة واحدة؟ كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته، وقوله تعالى: {ورتلناه ترتيلًا} معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك كأنه قال تعالى كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلًا، ومعنى ترتيله قال ابن عباس: بيناه بيانًا، والترتيل التبيين في تؤدة وتثبت، وقال السدي: فصلناه تفصيلًا، وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض، وقال الحسن: تفريقًا آية بعد آية ووقعة عقب وقعة، ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلًا} أي: اقرأه بترتل وتثبت.
ومنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صفة قراءته: لا كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها، وقيل: هو أن ننزله مع كونه متفرقًا على تمكث وتمهل في مدة متباعدة، وهي عشرون سنة، ولم نفرقه في مدة متقاربة، ولما كان التقدير قد بطل ما أتوا به من هذا الاعتراض عطف عليه.
{ولا يأتونك} أي: يا أشرف الخلق أي: المشركون {بمثل} أي: باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظًا ومعنى {إلا جئناك} في جوابه {بالحق} أي: الذي لا محيد عنه، فيزهق ما أتوا به لبطلانه، فسمى ما يوردون من الشبه مثلًا، وسمى ما يدفع به الشبه حقًا {وأحسن} أي: من مثلهم {تفسيرًا} أي: بيانًا وتفصيلًا، ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه، فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا، أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك؟ نحو أن يقرن بك ملك ينذر معك أو يلقي إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة واحدة إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفًا لما بعثت عليه ودلالة على صحته، ثم بين تعالى حال هؤلاء المعاندين في الآخرة بقوله تعالى: {الذين} أي: هم الذين {يحشرون} أي: يجمعون قهرًا ماشين مقلوبين {على وجوههم} مسحوبين {إلى جهنم} أي: كما أنهم لم ينظروا في الدنيا بعين الإنصاف فإن الآخرة مرآة الدنيا مهما عمل هنا رآه هناك كما أن الدنيا مزرعة الآخرة مهما عمل فيها جنى ثمره هناك. روى البخاري أن رجلًا قال: «يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة»، وروى البيهقي: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على الوجوه، وصنف على الأقدام»، ولما وصف الله تعالى المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف استأنف الإخبار عنهم بقوله تعالى: {أولئك} أي: البعداء البغضاء {شر} أي: شر الخلق {مكانًا} هو جهنم {وأضل سبيلًا} أي: أخطأ طريقًا من غيرهم وهو كفرهم، ولما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا من المجرمين}، وذكر ذلك في معرض التسلية له صلى الله عليه وسلم ذكر قصص جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم زيادة في تسليته، القصة الأولى: قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: {ولقد آتينا} أي: بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي: التوراة {وجعلنا معه أخاه هارون وزيرًا} أي: معينًا، فإن قيل: كونه وزيرًا كالمنافي لكونه شريكًا له في النبوّة والرسالة؟